بقلم: شحاته زكريا
​لا تحتاج الحرب إلى وقت طويل لتثبت براعتها في التدمير؛ فصاروخ واحد كفيل بهدم بيت، وغارة خاطفة قادرة على محو ملامح حيّ بأكمله، وقرار سياسي متهور قد يفتح أبواب جحيم يعجز الجميع عن إغلاقه. لكن السلام يمضي بمسار مغاير تمامًا؛ فهو لا يولد فجأة، ولا تفرضه قرارات فردية، ولا يتحقق بمجرد صمت المدافع. هنا تكمن المفارقة الأكثر قسوة: تمتلك البشرية تقنيات تسوي مدنًا بالأرض خلال ساعات، لكنها تعجز عن بناء الثقة بالسرعة ذاتها.
​بين إعمار المكان وبناء الإنسان
في المشهد الفلسطيني عمومًا، وفي غزة على وجه الخصوص، يتجاوز السؤال حدوده النظرية ليلامس واقعًا معقدًا. فحتى مع خفوت أصوات البنادق، تطفو استحقاقات كبرى:
​تجاوز مفهوم الإعمار المادي: إعادة تشييد المنازل وشبكات المياه والمستشفيات مهمة مقدور عليها، لكن التحدي الأعمق يكمن في ترميم الروح الإنسانية، ومعالجة صدمات أجيال نشأت على الخوف والترقب.
​الخروج من فخ «الهدنة المؤقتة»: تكرار التعامل مع التهدئة كاستراحة محارب بين جولتين يعيد إنتاج الأزمات ولا يحلها؛ فالاستقرار الدائم يتطلب معالجة جذور الصراع لا نتائجه الظاهرة فقط.
​مسؤولية السياسة والدور الإقليمي
السياسة التي تدير المعارك تقع على عاتقها مسؤولية صياغة ما بعدها. ومن هذا المنطلق:
​الفاعلية الدولية: ينبغي للقوى الكبرى توظيف نفوذها لفرض مسار سياسي عادل وقابل للحياة، بدلاً من سياسة إدارة الأزمات بالقطعة.
​محورية الدور المصري: بحكم الجغرافيا والتاريخ، يظل الدور المصري ركيزة أساسية لتحويل التفاهمات إلى واقع ملموس، انطلاقًا من إدراك القاهرة أن أمن حدودها واستقرار الإقليم كلٌ لا يتجزأ.
​تكامل الإرادة المشتركة: لا يمكن لطرف واحد فرض التسوية؛ بل يتطلب الأمر إرادة دولية مسؤولة واستعدادًا لتقديم تنازلات تضمن مستقبلاً آمنًا للجميع.
​إعادة تعريف الانتصار
خلف كل إحصائية في نشرات الأخبار إنسان، وتحت كل ركام حكاية مستقبل تبدد. إن الحرب في جوهرها ليست معادلة صفرية يفوز فيها طرف، بل خسارة إنسانية شاملة. الانتصار الحقيقي ليس في هزيمة الخصم اليوم، بل في حماية أجيال الغد من خوض الحرب ذاتها.
​صناعة السلام لا تحتاج إلى موازين قوى بقدر ما تحتاج إلى شجاعة سياسية تضع الإنسان في قلب المعادلة؛ فالحرب صنعت الخراب بالفعل، وصناعة السلام تنتظر من يمتلك الجرأة لإنهاء أسبابه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *