تُعد الرقية الشرعية من الأمور التي ارتبطت في أذهان كثير من الناس بطلب الشفاء والتحصين واللجوء إلى الله سبحانه وتعالى، إلا أن هذا الباب شهد خلال السنوات الأخيرة انتشار ممارسات دخيلة لا تمت إلى الرقية الشرعية الصحيحة بصلة، حتى اختلط الأمر على البعض بين الراقي الملتزم بالكتاب والسنة وبين الدجال الذي يستغل خوف الناس ومعاناتهم لتحقيق مصالح شخصية أو مادية.

وتكمن خطورة هذه الظاهرة في أنها لا تقتصر على مجرد ممارسات خاطئة، بل قد تؤدي إلى تشويه مفهوم الرقية الشرعية نفسه، وإدخال الناس في دائرة من الأوهام والخوف والتعلق بأشخاص وممارسات لا تقوم على دليل شرعي.

الشيخ أحمد مدكور

الرقية عبادة وليست بابًا للخرافة

يقول الشيخ أحمد مدكور الأصل في الرقية الشرعية أنها قائمة على التوجه إلى الله سبحانه وتعالى، وقراءة القرآن والأدعية والأذكار الثابتة، مع اليقين بأن الشفاء بيد الله وحده.

ومن هنا فإن تحويل الرقية إلى طقوس غامضة أو ممارسات غير مفهومة يمثل ابتعادًا عن أصلها ومقصدها. فالمنهج الذي يؤكد عليه الباحث أحمد مدكور في مشروعه حول تصحيح مفاهيم الرقية يقوم على الالتزام بالكتاب والسنة، ورفض ما لا يقوم عليه دليل صريح، مع الدعوة إلى العودة إلى القرآن والسنة والتحذير من طرق الدجالين.

وقد لخّص المؤلف الهدف من هذا التوجه بقوله إن المقصود هو إعادة الناس إلى الأصل، إلى «القرآن والدعاء واليقين».

كيف يدخل الدجل إلى باب الرقية؟

تبدأ المشكلة عندما يستغل البعض جهل المريض أو خوفه، فيقدمون له ممارسات غريبة على أنها جزء من العلاج، وقد يصبح الشخص شديد التعلق بالراقي نفسه بدلًا من تعلق قلبه بالله سبحانه وتعالى.

وهنا يصبح الخطر أكبر من مجرد خطأ في طريقة العلاج؛ لأن المريض قد يصدق كل ما يقال له دون سؤال أو تمحيص، خصوصًا إذا كان يعيش حالة من الخوف أو القلق ويبحث عن أي وسيلة للخلاص من معاناته.

كما أن الخلط بين الرقية والممارسات غير المنضبطة يفتح المجال أمام انتشار أفكار لا تستند إلى دليل، ثم تنتقل هذه الأفكار من شخص إلى آخر حتى يتعامل معها المجتمع باعتبارها حقائق ثابتة.

الخوف بوابة واسعة للاستغلال

من أخطر الأدوات التي يمكن أن يعتمد عليها الدجال إشعار الإنسان بأنه محاصر بقوى خفية، وأن حياته ومشكلاته وأمراضه كلها مرتبطة بالسحر أو العين أو الجن.

ومع استمرار هذا الخطاب قد يبدأ الإنسان في تفسير كل مشكلة تواجهه على هذا الأساس، فيعيش في حالة دائمة من الخوف والترقب.

وهنا تظهر أهمية الوعي؛ فالإيمان بما ثبت في القرآن والسنة شيء، وتحويل كل مشكلة أو مرض أو خلاف أو تعثر في الحياة إلى تفسير غيبي بلا دليل شيء آخر تمامًا.

عندما يصبح الراقي هو محور العلاج

من العلامات التي ينبغي الانتباه إليها أن تتحول العلاقة من الرقية والتوجه إلى الله إلى تعلق كامل بشخص الراقي.

فالراقي لا يملك الشفاء من نفسه، ولا ينبغي أن يقدم نفسه باعتباره صاحب قدرة مستقلة على كشف الغيب أو التحكم في مصائر الآخرين.

والمنهج الذي يطرحه أحمد مدكور في المادة المرفقة يقوم في الأساس على «تجريد التوحيد» وإرجاع الناس إلى القرآن والسنة، مع التحذير من الدجالين والغلو والتفريط.

وبالتالي فإن الرقية الصحيحة يفترض أن تزيد الإنسان تعلقًا بالله، لا أن تجعله أسيرًا لشخص آخر.

الدجل قد يضاعف معاناة المريض

لا تتوقف خطورة الدجل عند الجانب الديني، بل يمكن أن تمتد إلى حياة الإنسان وأسرته وقراراته.

فعندما يقتنع شخص، دون دليل، بأن فردًا من أسرته أو أقاربه هو سبب ما يتعرض له من أذى، قد تبدأ الشكوك والاتهامات، وربما تتحول المشكلة إلى خلافات وقطيعة بين أفراد الأسرة.

والأخطر أن ينشغل الإنسان بتفسيرات غير ثابتة عن التعامل الصحيح مع مشكلته، أو أن يصبح كل اهتمامه منصبًا على البحث عن السحر أو الحسد أو غير ذلك دون النظر إلى الأسباب الواقعية التي يمكن التعامل معها.

كيف نواجه الظاهرة؟

مواجهة الدجل تبدأ بالعلم.

فكلما عرف الإنسان أصول الرقية الشرعية، أصبح أكثر قدرة على التمييز بين ما يقوم على دليل وما يقوم على الوهم والخرافة.

كما ينبغي ترسيخ مفهوم مهم للغاية: الرقية ليست عالمًا سريًا لا يفهمه إلا أشخاص بعينهم، وإنما هي باب من أبواب الدعاء والذكر واللجوء إلى الله.

والعودة إلى هذا الأصل تقلل مساحة الخوف التي يتسلل منها الدجالون إلى حياة الناس.

كما أن الوعي لا يعني إنكار ما ثبت في القرآن والسنة، وإنما يعني عدم إضافة أمور إلى الدين بلا دليل، وعدم بناء اتهامات أو أحكام خطيرة على مجرد الظنون.

بين الإيمان والخرافة خيط يجب ألا يضيع

المشكلة الحقيقية ليست في الرقية الشرعية، وإنما في الممارسات التي تُنسب إليها وهي ليست منها.

ولهذا فإن حماية المجتمع من الدجل تحتاج إلى خطاب ديني واعٍ يعيد الأمور إلى أصولها، ويعلم الناس أن قوة المؤمن ليست في مطاردة الأوهام، وإنما في صدق توكله على الله، وتمسكه بكتابه، والمحافظة على الأذكار والدعاء، والأخذ بالأسباب المشروعة في حياته.

وفي النهاية، تبقى الرسالة الأهم: لا ينبغي أن يتحول بحث الإنسان عن الشفاء إلى باب يدخل منه الخوف والدجل والاستغلال.

فالرقية الشرعية في أصلها ليست صناعة للخوف، وإنما باب للطمأنينة والتوكل على الله، وكلما عاد الناس إلى القرآن والسنة، وابتعدوا عن المبالغات والخرافات والممارسات التي لا دليل عليها، ضاقت المساحة أمام الدجالين والمتاجرين بآلام الناس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *